السبت، 2 أبريل 2011

لماذا تغير موقف السلفيون من المشاركة السياسية?

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مصطلح الإسلام السياسي:
إن تسمية بعض الناس بعض الإسلاميين باسم الإسلام السياسي يوهم أنه يوجد إسلام غير سياسي أو أنه توجد طائفة ترى أنه لا دخل للإسلام بالسياسة، وهذا بلا شك تصنيف غير صحيح؛ لأنه لا يجهل مسلم أن الله -عز وجل- أنزل دين الإسلام؛ لصياغة حياة البشر بطريقة شاملة شمولاً تامًّا، يدل عليه قوله ـ تعالى ـ: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163).
فشمول الإسلام لحياة البشر كلهم: أفرادًا وجماعات ودولاً أمر بديهي لدى كل الطوائف الإسلامية على اختلاف أنواعها، ونصوص القرآن تثبت تناول الإسلام لكل مناحي الحياة، فمن جهة الفرد غاية وجود الإنسان أن يحقق ما أمره الله -عز وجل- به، وخلقه الله مِن أجله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، عبودية الفرد، وعبودية الأمة.
عبودية الفرد من خلال الإسلام والإيمان والإحسان، وعبودية الأمة من خلال أنظمة الحياة التي تشكل صبغة الحياة ونظام الإسلام لها (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) (البقرة:138).
وأنظمة الحياة موجودة في كل مجتمع من المجتمعات؛ إذ لا بد لكل مجتمع من نظام للحكم وللاقتصاد وللاجتماع وللحرب والسلم وللثواب والعقاب ولفصل الخصومات بين الناس والقضاء ولنظام إعلامي على تفاوت الأزمنة، وقد جاء الإسلام بكل هذه الأنظمة في الحقيقة.
فالنظام السياسي مبني على قاعدة أصلية قال -عز وجل-: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ) (يوسف:40)، (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ) (المائدة:49).
فالحكم في الإسلام ونظام الدولة الإسلامية له مقصد وهو: تحقيق العبودية لله، وأن تقيم الدين وتحرسه، فتحرس الدين: العقيدة والعبادة والأخلاق وثابت الإسلام كلها، وفي نفس الوقت تسوس الدنيا بالدين، فلا بد أن تصاغ أنظمة الحياة البشرية بالإسلام.
وتقسيم  الإسلام إلى: إسلام سياسي وإسلام غير سياسي مبني على تصور خاطئ غير سليم؛ لأن أولويات الجماعات والاتجاهات الإسلامية تختلف فيظنونها متناقضة وأن بعضها يرى الفصل وعدم المشاركة في السياسية ونحو ذلك، وإنما كانت هناك أولويات في مراحل سابقة -وما زال- أولوية معينة في إيجاد الشخصية المسلمة الملتزمة التي تقوم -كما ذكرت- على أن يكون الشخص مسلمًا مؤمنًا محسنًا، فهذا حجر الزاوية بالنسبة لنا واللبنة الأولى في البناء الذي نهتم به.
الفصل بين الأهداف الشرعية والأهداف السياسية:
لا بد أن تكون الأهداف السياسية ضمن الأهداف الشرعية، ولا بد حين نعمل عملًا معينًا أن تكون نيتنا لله -سبحانه وتعالى- ولا بد أن تكون متابعة لما ورد في الشرع؛ كي يكون العمل صحيحًا، فلا بد أن تكون هذه الأهداف فقط  ترتيب أولويات: ما الأولى بالنسبة لي في هذا التوقيت، في هذا المجتمع، في هذه الظروف؟! وبين آخر يرى أولويات أخرى ولكن في النهاية لا بد أن تصب هذه الأهداف شرعية في غاية واحدة وهي: تحقيق العبودية لله، وفي نفس الوقت تكون متابعة لما جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
لماذا قلنا: نعم في الاستفتاءات الدستورية؟
الحق أن الإخوة السلفيين كلهم وكذلك الاتجاهات الإسلامية الأخرى كلها أجمعت -بفضل الله- هذه المرة على الموافقة على التعديلات الدستورية، ليس ذلك لأننا نرى أنها تحقق الكمال المطلوب أو أن الدستور الحالي يشمل كل مطالبنا، بل هناك أشياء كثيرة لا بد من تعديلها، ولكننا نرى أن هذه التعديلات خطوة على طريق الاستقرار.
طرح بعض الناس فعليًا طلب تعديل المادة الثانية وقد صرح بعض السياسيين بأنها طرح تعديل الثانية وذلك بحذف الألف واللام منها فتصبح (مصدر رئيسي للتشريع) بعد أن كانت (المصدر الرئيسي للتشريع) لكن هذا الطلب رفض.
ثم شكلت اللجنة الثانية برئاسة الدكتور طارق البشري وتجنبت المساس بالمادة المحددة لهوية مصر، وبالتالي فنحن أردنا إرسال رسالة تتلخص في أن هذه القضية عندنا قضية كبرى: المحافظة على هوية البلاد من أن دينها الرسمي الإسلام ولغتها اللغة العربية، والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، لذلك كانت قضيتنا: ألا تمس هذه المادة.
خصوصًا أن بعض السياسيين المرشحين لرئاسة الدولة طارح لأن يعود لدستور 1923م الذي كان بعد ثورة 19 مباشرة، وكان ينص على أن الدولة دينها الرسمي الإسلام لكن لا ينص على مرجعية التشريع وبالتالي فالقانون الذي يفسره قال بأن معنى الدستور بهذه الطريقة أن يكون الدستور أولاً، القانون ثانيًا، العرف، ثالثًا، القاضي إذا لم يجد يمكنه أن يحكم بالشريعة الإسلامية فجعل الشريعة الإسلامية في الترتيب الرابع بعد المصادر الثلاثة الأولى، وعندنا شرع الله -عز وجل- فوق كل شيء.
وهذا يعبر عن عقيدة الأمة وبعض الناس يسميه: المبادئ العليا للدستور، أو النظام العام الذي يعبر عن عقيدة الأمة، فعقيدة الأمة هي الإسلام وكل الشعب المسلم في مصر لا يبقى بديلاً عن ذلك، فبعض الناس طالب بهذا، وبعضهم قال: نريد تعديلاً بسيطًا، نريد حذف الألف واللام!
فكأن دستور 23 يقول: الشريعة الإسلامية آخر المصادر = الحكم لغير الله إلا عند الضرورة وذلك حين يضطر القاضي ولم يجد شيئًا أن يلجأ إلى الشريعة الإسلامية.
أما دستور 71 قبل تعديل سنة 80 قال: إن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي من مصادر في التشريع، وهذا يفهم منه أن هناك مصدر أخرى رئيسية أيضًا، وبالتالي فهو لم يلزم أن الحكم لله أيضًا، وبالتالي أباح للمجلس التشريعي أن يسن تشريعات مخالفة للشريعة مأخوذة من شرائع أخرى.
ثم ألزم التعديل الدستوري الذي تم في سنة 80 أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي، وظل الاختلاف في هذه المادة المعروضة على المحكمة الدستورية طيلة ستة عشر سنة، فبعد مقتل السادات في حادثة المنصة حدث نوع من الطعن في دستورية قانون العقوبات أثناء المحاكمة؛ لأنها مخالفة للشريعة.
رفضت المحكمة هذا الطعن وقررت أن كلمة (المصدر الرئيسي) تسمح بوجود مصادر فرعية، وهذا يعني أنه يمكن مخالفة الشريعة الإسلامية أحيانًا.
ثم فصلت المحكمة الدستورية سنة 96 بعد طول بحث لأن كلمة (المصدر الرئيسي) تدل على الحصر، وأنه لا يجوز لأي مصدر فرعي أن يخالف الرئيسي، وبالتالي أصبح التفسير المعتمد لهذه المادة أن أية مخالفة للشريعة الإسلامية تصبح باطلة، وكل قانون يسنه مجلس الشعب أو الشورى مخالفًا للشريعة لا يعتمد ويصبح باطلاً.
وكان ذلك مكسبًا كبيرًا جدًّا، ومنع ذلك بالفعل تشريعات كانت مفروضة على مصر، فقد وقعت مصر على اتفاقيات مؤتمرات السكان العالمية التي كان لها مقررات فيها مخالفة خطيرة جدًّا، وهي تفرض على الدول الموقعة على هذه المقررات أن تسن التشريعات الموافقة لها، وقعت مصر بتحفظ وكان التحفظ على أشياء غير محتملة على سبيل المثال تكوين الأسرة، فتكوين الأسرة في عرف كل  أهل الإسلام: رجل وامرأة بينهما علاقة زواج، أما مؤتمرات السكان فتسمح بتكوين أسرة بين رجل ورجل، وبين رجل وامرأة من غير زواج، وبين أنثى وأنثى، ومن هذه المقررات أيضًا: أن التفضيل في الميراث بين الذكر والأنثى من اضطهاد المرأة، وهذا بلا شك مناقض لصريح القرآن.
فعرضت هذه الأشياء على مجمع البحوث الإسلامية التزامًا بأنه لا بد أن تكون موافقة للشريعة، فرفض المجلس هذه التشريعات؛ لأنها مخالفة للشريعة، ولم تسن هذه القوانين بناء على هذه المادة، فكانت هذه المادة بلا شك مكسب كبير جدًّا.
وهذه المادة تمنع وصف المنازعة لله -عز وجل- في الحكم على المجالس التشريعية المصرية، ومعناها أن هذه المجالس لا تملك أن تنازع الله في حكمه، وأن شرع الله -سبحانه وتعالى- إذا ثبت فلا يمكن لأحد منازعته، كذلك حين يقسم رئيس الدولة ورئيس الوزراء وضباط الجيش والشرطة وأعضاء مجلس الشعب والشورى يقسموا على احترام الدستور الذي ينص على أن حكم الله لا يمكن أن يعارض، فهذا شيء عظيم جدًّا.
والبديل أن يقسم على دستور يقول: يجوز أن نخالف شرع الله، يجوز سن قوانين تخالف شرع الله، فهذه المسألة ليست صغيرة، وبالتالي رفض طلب تعديل هذه المادة رغم وجود كثيرين يطالبون به ونزعت مع أن المعركة لا زالت مستمرة إلى ستة أشهر لأنه سيكتب دستورًا جديدًا والجميع متفق على أنه هناك قوانين لا بد أن تغير لكن نقول هذه المادة لا بد أن تظل محافظة على هوية الأمة وربما تكون أكثر تأكيدًا وتوضيحًا؛ لأن هوية مصر أنها إسلامية وأنها عربية تنتمي إلى العالم العربي والإسلامي قضية عظيمة الأهمية وتصبغ كل مواد الدستور بعد ذلك بهذه الصبغة، أي أن معناها أن مادة مقدمة على غيرها؛ لأنها أصلاً مِن مبادئ العليا لأمة بل للدستور -النظام العام- التي في الحقيقة لو خالفها؛ لكان غير دستوريًا.
السلفيون وصناديق الاقتراع بين الماضي والوضع الحالي:
كان عزوفنا عن المشاركة السياسية قبل ذلك لم يكن لأجل أنه لا دين في السياسية ولا سياسية في الدين، بل عقيدتنا أن الإسلام ينظم كل شئون الحياة بما فيها السياسية، ولم يكن السلفيون هم الوحيدون الذين عزفوا عن السياسية بل كان كل الشعب في الحقيقة، والجميع يعلم أن عدد جميع من كانوا يشاركون الانتخابات والاستفتاءات كلها لا يتجاوز المليون، بعد الثورة حدثت تغييرات كبيرة جدًّا، ونحن أولًا جزء من الشعب المصري المسلم وبلا شك لنا وجودنا السابق، وقد مارسنا -ومعنا الاتجاهات الإسلامية الأخرى- دور المعارضة الحقيقي والذي من أجلها سن "قانون الطوارئ"، ومِن أجلها دخل الناس السجون وقد دخلت السجن ثلاث مرات ومن أجلها وقع اضطهاد للملتزمين خصوصًا الملتحين في قطاعات عريضة جدًّا في العمل وفي التعليم، ومن الجهات الأمنية طيلة خمسة وثلاثين سنة.
ثم تغيرت الموازين وشعر الناس أن هذا الاستفتاء خطوة إيجابية وأنها تحترم الجماهير وتحترم إرادة الشعب، وفي نفس الوقت هناك فرصة للتغيير من خلال المشاركة الإيجابية، أما في الماضي -قبل الثورة- فكانت موازين القوى تفرض على كل من يشارك أن يتنازل عن ثوابت عقدية لا يمكن أن نتنازل نحن عنها، لا بد أن يقبل أن يقال له على سبيل المثال: إذا جاءت صناديق الاقتراع برئيس قبطي أو زنديق هل تقبل أم لا؟!
أنا لا أخجل أن أقول: قال الله -عز وجل-: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء:141)، وكما أو العالم كله قبل أن يكون رئيس إسرائيل ورئيس وزرائها لا يمكن أن يكون غير يهودي، وقبلتم أن تكون ملكة أو ملكها انجلترا هو رئيس الكنيسة البروتستانتية وأن رئيس دولة الفاتيكان لا بد أن يكون بابا الكاثوليك، وهناك سبع دول في أوروبا -أعضاء في الاتحاد الأوروبي- تنص دساتيرها على ديانة ومذهب رئيس الدولة، فلم يفرض علينا أن يكون الرئيس غير مسلم؟! ونهتم بأننا نريد فتنة طائفية.
كذلك أيضًا لا بد عندهم أن نوافق على الأدب الإباحي وأدب الزندقة وإلا كنا غير ديمقراطيين، أما نحن فنقبل منن الديمقراطية ما يوافق الشرع منها، فقد أخذت الديمقراطية بعض محاسن النظام الإسلامي وضمت إليه قاعدة غير محتملة بالنسبة لنا وهو أن السلطة التشريعية أو حق التشريع يكون للناس.
وقد شهدت العصور الوسطى في أوروبا نوعًا من التشريع البشري المصبوغ بالصبغة الإلهية، وهي الدولة الدينية عند أوروبا وهي تعني: أن الحاكم يحكم بالحق الإلهي، لا يحكم على أساس أنه بشر من البشر أو وكيل عن الأمة، ولذلك فهم لا يعرفون الدولة الدينية إلا الدولة الثيوقراطية التي فيها الحاكم إذا قال؛ فقد قضى الرب، وإذا حكم فقد حكم الرب، ومن يخالف يطرد من الجنة، والجنة بيد الحاكم سواء أكان سلطانًا دينيًا أو سلطانًا دنيويًا.
هربوا من هذه الثيوقراطية إلى الديمقراطية وقالوا: الحكم للأغلبية، أما عندنا فالحكم لله -عز وجل-؛ لأن الحاكم والمحكوم عندنا كلاهما محكوم بشرع الله، فأخذوا محاسن من النظام الإسلامي وهو أن الأمة هي التي تعين الحاكم ولها أن تعزله ولها أن تراقبه وتأمره وتنهاه هذه الأمور لمن تكن عندهم وإنما كانت عندنا نحن فقد توفي الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يستخلف فاختار الصحابة -رضي الله عنهم- أبو بكر خليفة للمسلمين، فأهل الحل والعقد هم ممثلي الأمة، وهذا الواجب أن يكون عندنا، فأهل الحل والعقد هم أهل الخبرة والمشورة وهم الذين يختارون رئيس الدولة ولهم حق عزله أيضًا وقد نص العلماء على ذلك في حالة زيادة الظلم والغشم والجور وزيادة المفاسد عن خلعه فيصير بقاؤه مفسدة كبرى كما هو الحال في ليبيا فبقاؤه تدمير للبلد كلها وسفك دماء الشعب فلا يمكن أن يؤمر الناس بالاستسلام والقتل بحجة أنهم لا بد أن يسمعوا ويطيعوا.
الآن يوجد قدر كبير من الحرية يمنع أن تفرض علينا تنازلات، ويوم يفرض علينا تنازل عن ثوابت عقدية لا يمكن أن نشارك.
وكان أيضًا من ضمن أسباب عدم المشاركة سابقًا: أن الثمن المدفوع مكلف جدًّا والنتيجة معلومة مسبقًا، وكل استفتاء سبق قبل ذلك كانت نتيجته معروفة أنها نعم، ولا يمكن لأحد أن يطعن بالتزوير.
ولذلك صدم بعض الناس لأن الإعلام عامته سواء الجرائد أو التليفزيون الحكومي أو محطات فضائية ومعهم العالمانيين والليبراليين كان يؤكدون على الناس أن يقول: لا للاستفتاءات على التعديلات الدستورية؛ فجاء قول الشعب: نعم مخالفًا لتوقعاتهم جميعًا.
فكان الثمن مكلف جدًّا والمكسب محدود جدًّا؛ لأن التزوير معروف كنتيجة أساسية وفي النهاية نصبح ديكورًا لنظام يريد معارضة ديكورية وفي النهاية النتائج محسومة، وما جرى في الانتخابات الأخيرة جعل كثيرًا من الإسلاميين ينسحبون؛ لأن النسبة الضئيلة التي كانت تمنح لهم تقلصت فبعد أن كانت ثلاثين بدلًا من ثمانين بالمائة تقلصت إلى 3 أو 2% فكانت هذه المقاطعة إيجابية وليست سلبية.
الثورة المصرية والأنموذج التركي:
الأنموذج التركي لم يتم بثورة، فقد تعرضت تركيا لمأساة كبيرة جدًّا، والأنموذج التركي يطرح البعض كطريق للإسلام السياسي المعتدل الذي يقبله الغرب ، ويمكن أن تكون التجربة أقصى ما يحلم به الناس في تركيا؛ لأن الإسلام في تركيا تعرض لاضطهاد فظيع لم ير مثله حيث فرضت العالمانية بالحديد والنهار.
ولا يزال فيها قوانين تقول: من يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية يعاقب بالسجن ثماني سنوات، ولو كان في جماعة منظمة فالسجن مدى الحياة، ومن يحفظ أولاده القرآن خارج المقررات المدرسية يعاقب بالسجن ثلاث سنوات، مما أدى بالشعب التركي نفسه إلى عدم فهمه لكثير جدًّا من القضايا عظيمة الأهمية جدًّا.
فالبرلمان التركي الذي تسيطر عليه الأغلبية من حزب العدالة، وقد ضغطت أوروبا على البرلمان ضغطًا شديدًا؛ لكي يسن تشريعًا يلغي تجريم الزنا -إذا أردوا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي- مع أنه تجريم أعرج في الحقيقة؛ لأنه تجريم يجعله حق للزوج فقط، وإذا كانت المرأة غير متزوجة وسنها فوق الثامنة عشرة فقط وكان الزنا من غير دعارة ولا إكراه، ومع ذلك لم يعجبهم هذا القانون، وفرضوا على البرلمان التركي أن يغير ذلك ويقول: الزنا ليس بجريمة.
والذي دفع البرلمان التركي الذي يسيطر عليه حزب ذو أصل إسلامية إلى سن ذلك القانون أن هذه القضية ليست كبيرة عندهم أنهم لم يتعلموا هذه القضية ولم يدرسوها ولا يعلمون أن القول بأن الزنا ليس بجريمة استحلال لما حرم الله -عز وجل- وهذا كفر، ولكنهم لا يعلمون وكان أقصى ما يحلمون به أن تدخل طالبة الجامعة بحجابها أو تسير به في الشارع، فقد كان الحجاب ممنوعًا.
ووضعنا -بلا شك- ليس كذلك، وقد حافظ الشعب المصري على تدينه عبر التاريخ رغم أنه قد حاولت جهات متعددة صبغ الشعب بالصبغة العالمانية إلا أن الشعب قاوم خصوصًا مع وجود الصحوة الإسلامية القوية منذ أربعين سنة فغيرت كثيرًا من الموازين وعاد الشعب إلى طبيعته الأصلية وإلى فطرته وإلى عقده الاجتماعي إلى عقيدته إلى الإسلام بنسبة كبيرة جدًّا.
تجربة الجزائر في المشاركة السياسية في التسعينات:
الفرق الكبير بيننا وبين تجربة الجزائر في التسعينات أن موقف الجيش كان مختلفًا تمامًا، دخل الإسلاميون بكل قوتهم رغم أن الجيش كان على العالمانية الصرفة وبالتالي فرض إلغاء الانتخابات رغم اكتساح الإسلاميين لها، أما الجيش المصري فوضعه مختلف فهو أولاً جزء من الشعب، والشعب بطبعه متدين، وهذا موجود في قطاعات عريضة جدًّا من الجيش المصري، وبالتالي لم يقف الجيش -بفضل الله- ضد إرادة الأمة بل وقف معها وأيد إرادتها في التغيير، وبالتالي لا أظن أبدًا أن الجيش سيقف ضد إرادة الأمة في المحافظة على هوية مصر الإسلامية بل وتفعيل هذه الهوية إلى المزيد؛ لأن هذه هي إرادة الأمة فعلاً.
المشاركة في العمل السياسي:
بالتأكيد أن الفرصة الآن أكبر بكثير جدًّا مما سبق فليس في الانتخابات تزوير، كما أنه يوجد احترام لكل إنسان أن يعرض ما يريد دون أن تفرض علينا إملاءات معينة، ولا شك أن جزء من هذه القوى تغير داخل مصر وفي المنطقة كلها وإن كانت موازين القوى لا زالت مؤثرة وفي العالم كله ونحن نستوعب ذلك، وندرك أنه فرق كبير بين الواجب المطلوب المرجو وبين المتاح الممكن وهو حسب الطاقة (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن:16).
 فليس كل ما نحلم به نتوقع تحقيقه مع أننا نرجو الله -سبحانه وتعالى- ونأمل أن ينتشر دين الله ويعم الأرض كلها، وهذا وعد الله -عز وجل-، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلامَ، وَذُلاً يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
(بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ) أي: صحراء وبادية، فالإسلام سينتشر ويملأ الأرض كلها، ولكن هذا الأمر في أزمنة مختلفة وقد قال -عز وجل-: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33).
وقد أنزل الله ـ عز وجل ـ في مكة: (إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) فعالمية الإسلام كانت منذ اللحظة الأولى، وكان الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مكة يدرك أنه غير آمن على نفسه ولا على أصحابه.
إذن هناك تقدير للممكن وهناك إيمان بالواجب، نحن نرجو الله -عز وجل- ولكن ندرك ما في الواقع فنقوم بما نقدر فنصلح قدر الإمكان (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
وأنا أرى أن هناك إمكانية كبيرة للإصلاح -بإذن الله تبارك وتعالى-، وإمكان تحقيق السعادة لأهل مصر من خلال الاقتراب من العمل بدين الله -تبارك وتعالى- لمسلمهم وغير المسلمين.
حول التساؤل بإنشاء السلفيين لحزب أو مؤسسة تتولى الدفاع عنهم:
هذه القضية ما زالت مطروحة للبحث وليست ملغاة من حساباتنا ولكن -كما ذكرت- أولويتنا ونظرتنا إلى التغيير الحقيقي أنه يبدأ من إيجاد شخص مسلم متكامل الشخصية وعملنا من المسجد والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة  والجدال بالتي هي أحسن؛ لتكوين هذه الشخصية؛ ثم لإيجاد طائفة مؤمنة قادرة على أداء فروض الكفاية التي شرعها الله -عز وجل-، وهي بذرة أنظمة الحياة الإسلامية، فنسعى لإيجاد كل ما نقدر من ذلك.
فهدفنا الأول: حراسة الدين، وتربية الناس على عقيدة صحيحة وعبادة سليمة وعلى أخلاق سوية، وهذا هو الأساس الذي نعمل له، أما الجزء المتعلقة بالمشاركة السياسية سواء أكانت بصورة فردية أو بتكوين حزب كل هذه أمور مطروحة وبالتأكيد غرضها أيضًا: إصلاح ما يمكننا إصلاحه مع تحقيق العبودية لله -عز وجل- وتقواه قدر الإمكان، أما الوسائل ودرجة المشاركة فإنها محل بحث -بإذن الله تبارك وتعالى-، وتعلن في وقتها -إن شاء الله-.
شعورنا بعد 25 يناير:
في أثناء الثورة كنت قلقًا وخائفًا للغاية بسبب ما حدث من ثورات قبل ذلك، وكنت مشفقًا غاية الإشفاق أن تحدث هذه الأحداث عندنا، وأظن أنه كانت هناك توجيهات بذلك، ولولا لطف الله -عز وجل-؛ لوقعت، وها نحن الآن نرى ما يجري في ليبيا، فكان من الممكن أن تجري الدماء أنهارًا كما هو الحال في ليبيا مع أن تعداد سكانها عشر سكان مصر، فلو تعرضت البلاد لمثل هذا الاعتداء فإن عدد الشهداء والقتلى سيكون كثيرًا جدًّا، لذلك؛ كنت قلقًا جدًّا، كما أنني كنت قلقًا ومتوجسًا على البلاد من الفوضى التي كانت تنتظر الجبهة الداخلية بعد غياب الشرطة.
وكنا -بفضل الله تعالى- أول مَن قام بتشكيل لجان شعبية وكان لها آثار إيجابية جدًّا وبالدعوة إلى الله -عز وجل- دون قهر للناس أو إلزامهم بشيء، بل كانت الدعوة هي الأصل فيها.
وبفضل الله -عز وجل- مرت هذه الأمور إلى ما نحب مِن المنع مِن سفك الدماء، وكذلك موقف الجيش الذي أيد الشعب واحترم إرادته وكذلك موقف الجماهير المصرية فعليًا التي استجابت استجابة عظيمة للمحافظة على الجبهة الداخلية، كما حدث أيضًا وأد لهذه الفتنة الطائفية المزعومة، وقد أعلن السلفيون في هذا التوقيت أنهم سيقومون بحماية أرواح وممتلكات النصارى كما نحمي المسلمين، وأن اللص الذي يكسر محل نصراني فإنه سيكسر دكان رجل مسلم، وفي هذا التوقيت بعث الجيش رسالة شكر للجماعة السلفية بالعريش؛ لمنعهم اعتداء بعض البلطجية على الكنيسة، كإثبات لدور الإخوة الإيجابي في هذا الباب، وقد أثنى بعض رموز الأقباط على مثل هذه الأعمال عمومًا، وهذا مما يدحض تهمة السلفيين بتفجير كنسية الإسكندرية، وقد رأيت بعض الناس الذين كانوا قبل مدة بلطجية يشاركون الناس في اللجان الشعبية في حماية الناس، وخاب -فيما أظن- ظن من رغب في سيادة الفوضى والمجازر -بفضل الله سبحانه وتعالى-.
إعادة العلاقة والثقة بين الشعب:
نحن نقول: لا بد من صفحة جديدة، ولا بد أولًا من أن تتغير السلوكيات عما كان قبل ذلك، وأنا أرى قيادات كبيرة عندنا في الإسكندرية وغيرها في اتجاه قوي جدًّا التغيير، كذلك تعويض من سبق الاعتداء عليه بأي طريقة، وهذا حقهم بلا شك، ونحن نرغب كل الناس في امتثال قول الله ـ عز وجل ـ: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) (النور:22)، مع احتفاظه بحقه؛ لأن حقه لا يمكن أن يساومه عليه أحد، ولكن نقول نبدأ صفحة جديدة، ونحن نسعى للمشاركة في إعادة هذه الثقة، ونحن نعد الآن لعقد مؤتمرات مشتركة للإخوة الدعاة وعلماء أفاضل من الأزهر وقيادات من الجيش ومن الشرطة لبدء صفحة جديدة -بإذن الله تبارك وتعالى-، وكذلك أرى أنه ينبغي تغير الشخصيات التي لها تاريخ مؤلم عند بعض الناس ويعين غيرها.
أما رؤية لمصر في المستقبل فأرجو أن تكون إلى أفضل -بإذن الله تبارك وتعالى-.
رسالة إلى شعب ليبيا:
أنا أدعو في كل وقت الله -عز وجل- لشعب ليبيا أن يفرج كربهم وأن يذهب عنهم الغمة، وأن يكونوا يدًا واحدة ضد الظلم والعدوان، وأن يكون حرصهم على استقلال ليبيا وعدم نزول قوات أجنبية فيها حرص أكيد، وأدعو الله -عز وجل- أن يزيل عنهم الغمة, وأن يزول الحكم الظالم القائم حاليًا.
رسالة إلى اليمن:
اللهم عافي المسلمين في كل مكان، أؤكد أن الدم لا يجلب إلا الدمار في كل مكان ولا يمكن لحاكم أن يقوي أو يثبت نظام حكمه بنزف الدماء بهذه، فالمجازر التي حدثت لن تؤدي إلى الاستقرار، فالدم يعني: وقود على النار يزيدها اشتعالاً، وفي يوم 26 يناير أي: بعد الثورة بيوم كتبت مقالة قلت فيها: إن أي دماء معناها: مزيد من الثورة ولن تتوقف، ولذلك فإن الحل العسكري أو الحل الأمني لا يمكن أن يكون حلًا، بل لا بد من استجابة حقيقية لطلبات الإصلاح الحقيقي، لذلك أؤكد على الامتناع عن سفك الدماء والحرص على السلمية.
أحداث البحرين:
أما ما يجري في البحرين فليس من نوع الثورات الموجودة في مصر واليمن وغيرها مِن البلاد، وإنما هي ثورة طائفية وفتنة شيعية؛ لمحاولة الانقضاض على البحرين، ومحاولة إيجاد نظام موالي لإيران باستعمال الشيعة في البحرين، وهذا من أخطر الأمور، وهو أن يظن الشيعة أن ولاءهم الطائفي مقدم على ولائهم لبلادهم، وهم بذلك يخسرون كل شيء، ولذلك؛ أرجو من الله ـ عز وجل ـ أن يسود الهدوء البحرين وألا يكون هناك فيها نظام يخالف عقيدة أهل السنة.
رسالة إلى القنوات الدينية:
على القنوات الدينية أن تبدأ صفحة جديدة متواكبة مع الأحداث، ولا تستعمل أبدًا مواقف المداهنة مع أي تيار بل لا بد أن تقول الحق وتستقبل كل الدعاة -بإذن الله تبارك وتعالى- بطريقة توصل الدعوة بحق إلى الناس جميعًا -بإذن الله-.
____________________________
هذه المقالة تفريغ لحوار للشيخ ياسر برهامي مع قناة الخليجية
www.salafvoice.com
موقع صوت السلف

الثلاثاء، 29 مارس 2011

الدعوة السلفية تستنكر الأكاذيب الإعلامية ضدها

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتعلن "الدعوة السلفية" عن عدم تنظيمها غدًا لأي مسيرات أو وقفات في أي مكان بالإسكندرية أو غيرها.
كما تعلن "الدعوة السلفية" على أنها على عهدها بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأنها لم ولن تتعرض لغير المسلمين، والعصاة مِن المسلمين في حياتهم أو في طرقاتهم بأي نوع مِن الأذى.
وأن "الدعوة السلفية" في ظل الغياب الكامل لأجهزة الأمن لم يُؤثر عنها أي شيء من ذلك؛ فكيف تقوم به بعد عودة رجال الأمن؟!
وأن "الدعوة السلفية" عبر تاريخها تستنكر أن يكون العنف أسلوبًا دعويًا شرعيًا!
وتستنكر الدعوة أن تقوم "بعض وسائل الإعلام" بترديد بعض الأكاذيب، واختلاق وقائع لو كانت صحيحة؛ لوجب عليهم تصويرها، وأن تكون مُثبتة في محاضر الشرطة.
وإن الحوادث الأخيرة في "قنا" و"المنوفية" ثبت أن السلفيين برآء منها، كما ثبتت براءتهم مِن الاعتداء على د."البرادعي" مِن قبل، وأن ما يذاع مِن أكاذيب حول إلقاء "مية نار" على المتبرجات، أو فرض الجزية على غير المسلمين؛ هي محض افتراءات وأكاذيب لا أساس لها.
ومع ذلك تصر "بعض وسائل الإعلام" على ترديد هذه الأكاذيب!
ونحن نحذر الجميع مِن أن "بعض وسائل الإعلام" يلعب دور "الثورة المضادة" الذي ربما يكون السلفيون أول ضحاياه، ولكنهم لن يكونوا آخره.
وحينئذٍ سيقول الآخرون: أكلتُ يوم أكل السلفيون.
نسأل الله أن يعصمنا مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن, وأن يمن علينا بالأمن والأمان.
الدعوة السلفية

الأربعاء، 23 مارس 2011

الغيرة .. والحيـاء .. والمجتمع

الحمد لله رب العالمين ، وصلي الله وسلم وبارك علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه .. وبعـد :
فإن من محاسن ديننا الإهتمام بمكارم الأخـلاق ، يقول النبي r : (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخـلاق )) رواة أحمد وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " برقم ( 45 )

ولما بعث النبي  أقر ما كان عليه الجاهليون من أخلاق حسنة ، وألغي ما كانوا عليه من أخلاق رديئة ، وهذب ما كان يحتاج إلي تهذيب .

ومن مكارم الأخلاق التي كان الجاهليون يتحلون بها : غيرة الرجل علي محارمه ، بل كان بعضهم يشتط في هذا الأمر ويبالغ فيه ، حتي وصل الحال ببعضهم إلي أن يئد ( يقتل ) بنته خوفا من أن تقع في الفاحشة إذا كبرت ، فحرم المشرع ذلك ، وهذب جانب الغيرة وحسنه .

قال رسول الله r : (( لا أحد أغير من الله ، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن )) متفق عليه .
وقال أيضا : (( إن الله يغار. وإن المؤمن يغار. وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حـرم الله عليه )) رواة مسلم .
وقال أيضا في خطبته لما خسفت الشمس : (( يا أمة محمد ، والله ما من أحد أغير من الله ، أن يزني عبده أو تزني أمته )) متفق عليه .
ولما قال سعد بن عباده : لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصفح ، قال النبي r : (( أتعجبون من غير سعد ؟ فوالله ! لأنا أغير منه. والله أغير مني )) متفق عليه .
ومعني غير مُصفح : أي يضربه بحد السيف لا بعرضه ، فالذي يضرب بالحد يقصد القتل بخلاف الذي يضرب بعرض السيف فإنه يقصد التأديب .

والحياء في الإسلام فضيلة عظيمة ، وهي من الفطرة ، ولقد حثنا الله عز وجل علي ذلك في قوله – حكاية عن آدم وحواء – حين أكلا من الشجرة في الجنة فبدت لهما سوءاتهما : ) فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ( [ الأعراف : 22 ]
وقد فعـلا – عليهما السلام – ذلك بالفطرة لستر العورة التي انكشفت بالأكل من الشجرة المُحرمة . وهـذا الفعل يدل علي حيائهما ، والحياء شعبة من الإيمان ، لقول النبي r : (( الإيمان بضع وستون شعبة. فأفضلها قول لا إله إلا الله . وأدناها إماطة الأذى عن الطريق . والحياء شعبة من الإيمان )) رواة مسلم

فإلي كل مؤمنة رضيت بالله ربا وبمحمد r نبيا ورسولا وبالاسلام دينا ، إلي كل الصالحات القانتات ، يقول الله عز وجل في الحكمة مما نلبس : ) يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ُيواري سوآتكم وريشا ولباس التقوي ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ( [ الأعراف : 26 ]
وشرفهن الله عز وجل بقوله تعالي : ) وقل للمؤمنات ( وذلك في قوله تعالي : ) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن علي جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ... إلي قوله : وتوبوا إلي الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ( [ النور : 30 ، 31 ] .

فواجب علي كل أخت مسلمة مؤمنة أن ترتدي الجلباب عند خروجها من البيت – كعباءة ونحوها – وان يكون الثوب سابغ ساتر ، لا يصف ما تحته ، ولا يشف عن شئ ، ولا يشبه ثوب الرجال – كالبنطلون ونحوه – ولا يحاكي الموضة الضالة ، فإن مرضاة الله تعالي وابتغاء الدار الآخرة هي حياة الإيمان والفضيلة .

إن الدين الإسلامي صيانة وحفظ وستر للمرأة العفيفة التي تأبي أن تمتهن ، فلا تكون سلعة رخيصة للإعلان ، وفتنه للأهواء والإعجاب ، بل تحرم أن يتبعها الرجال بالنظرات الخائنة الآثمة ، إن المرأة المسلمة المؤمنة تخشي الله عز و جل وترجوا النجاة في الآخرة من عذاب النار . قال r: (( صنفان من أهل النار لم أرهما. قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس. ونساء كاسيات عاريات ، مميلات مائلات ، رؤسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ، ولا يجدن ريحها. وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) رواة مسلم

كلمة إلي الرجال من آباء وأزواج ؟
يا من ولاكم الله أمانة ومسئولية الأسرة والقوامة عليها ، هل قرأتم ؟ هل سمعتم قول الله : ) ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( [ التحريم : 6 ]
هل عرفتم أنكم مسئولين من خبر النبي r الصادق الأمين : (( كلكم راع . وكلكم مسئول عن رعيته . فالأمير الذي على الناس راع ، وهو مسئول عن رعيته . والرجل راع على أهل بيته ، وهو مسئول عنهم )) رواة مسلم .


إن المرأة في الإسلام – دين الله – فرض عليها أن تغطي جسدها ، حفظا لها عن النظرات الآثمة ، والإغراض الدنيئة ، كما أن الفتي له حدود أيضا ، فلا يحل له أن يظهر شيئا من سوأته - ما بين السرة والركبة – فهذا دين الإسلام والحياء من الإيمان .

والله ولي التوفيق .

خلق الحياء وأهميته في حياة المسلم

( الخير والشر معان كامنة تعرف بسمات دالة )
اعلم أن الخير والشر معان كامنة تعرف بسمات دالة كما قال سلم بن عمرو الشاعر:-
لا تسأل المرء عن خلائقه                    في وجهه شاهد من الخبر

فسمة الخير: الدعة والحياء, وسمة الشر: القحة والبذاء, وكفى بالحياء خيرا أن على الخير دليلا, وكفى بالقحة والبذاء شراً أن يكونا إلى الشر سبيلا, وقد روى حسان بن عطية عن أبي إمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحياء والعي شعبتان من الأيمان, والبذاء والبيان شعبتان من النفاق " أخرجه أحمد والترمذي والحاكم.
ويصد بالعي: سكون اللسان تحرزاً عن الوقوع في البهتان, والبذاء: ضد الحياء وهو فحش الكلام, والبيان: فصاحة اللسان والمراد به هنا ما يكون فيه أثما من الفصاحة كهجو أو مدح بغير حق, ويشبه أن يكون العي في معنى الصمت, والبيان في معنى التشدق, كما جاء في حديث آخر: " إن أبغضكم إلى الله الثرثارون المتفيهقون المتشدقون ", وروى أبوسلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الحياء من الأيمان والأيمان في الجنة, والبذاء من الجفاء والجفاء في النار " في معجم الطبراني, سنن البيهقي, وأخرجه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح, وأخرجه البخاري في الأدب عن أبي بكرة.


( الحياء من الأيمان )
المسلم عفيف حييي والحياء خلق له, والحياء من الأيمان والأيمان عقيدة المسلم وقوام حياته فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الأيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الأيمان " رواه البخاري ومسلم, وسر كون الحياء من الأيمان أن كلا منهما داع إلى الخير صارف عن الشر مُبعد عنه, فالأيمان يبعث المؤمن على فعل الطاعات وترك المعاصي, والحياء يمنع صاحبه من التقصير في الشكر للمنعم ومن التفريط في حق ذي الحق كما يمنع الحيي من فعل القبيح أو قواه اتقاء للزم والملامة, ومن هنا كان الحياء خيراًَ, ولا يأتي إلا بخير كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله " الحياء لا يأتي إلا بخير " رواه البخاري ومسلم عن عمران بن حصين.

( أقوال في الحياء )
قال بعض الحكماء: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه.
قال بعض البلغاء: حياة الوجه بحيائه كما أن حياة الغرس بمائه.
قال بعض البلغاء العلماء: يا عجباًَ ! كيف لا تستحي من كثرة ما لا تستحي, وتتقي من طول مالا تتقي ؟!
وقال صالح بن عبد القدوس:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه
ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
حياءك فاحفظه عليك وإنما
يدل على فعل الكريم حياؤه
قال الجنيد رحمه الله: الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء, وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح وبمنع من التفريط في حق صاحب الحق.
ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحى منه, وعمارة القلب: بالهيبة والحياء فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير.
قال الفضيل بن عياض: خمس علامات من الشقوة: القسوة في القلب, وجمود العين, وقلة الحياء, والرغبة في الدنيا, وطول الأمل.
وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعا استحيا الله منه وهو مذنب.
وكان يحي بن معاذ يقول: سبحان من يذنب عبده ويستحي هو.
ومن الآثار الإلهية:-
 يقول الله عز وجل: [ ابن آدم.. إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك.. وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك.. ومحوت من أم الكتاب زلاتك.. وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة ]
 ويقول الله عز وجل: [ ما أنصفني عبدي.. يدعوني فأستحي أن أرده ويعصيني ولا يستحي مني ]

( الحرص على الحياء والدعوة إليه )
المسلم إذ يدعو إلى المحافظة على خلق الحياء في الناس وتنميته فيهم إنما يدعو إلى خير ويُرشد إلى بر؛ إذ الحياء من الأيمان والأيمان مجمع كل الفضائل وعنصر كل الخيرات, وفي الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه فإن الحياء من الأيمان ", فدعا بذلك إلى الإبقاء على الحياء في المسلم ونهى عن إزالته ولو منع صاحبه من استيفاء بعض حقوقه, إذ ضياع بعض حقوق المرء خير له من أن يفقد الحياء الذي هو جزء أيمانه وميزة إنسانيته ومعين خيرته, ورحم الله امرأة كانت قد فقدت طفلها فوقفت على قوم تسألهم عن طفلها, فقال أحدهم تسأل عن ولدها وهي منتقبة فسمعته فقالت: لأن أرزأ في ولدي خير لي من أرزأ في حيائي أيها الرجل.

( ما لا يمنعه الحياء )
خلق الحياء في المسلم غير مانع له أن يقول حقاً أو يطلب علماً أو يأمر بمعروف أو ينهى عن منـكر.
• فقد شفع مرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه فلم يمنع الحياء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لأسامة في غضب: " أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة والله لو سرقت فلانة لقطعت يدها ".
• ولم يمنع الحياء أم سليم الأنصارية أن تقول يا رسول الله: إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هب احتلمت ؟ فيقول لها رسول الله _ ولم يمنعه الحياء _ " نعم إذا رأت الماء ".
• خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرة فعرض لغلاء المهور فقالت له امرأة أيعطينا الله وتمنعنا يا عمر ألم يقل الله (... وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاُ...), فلم يمنعها الحياء أن تدافع عن حق نسائها, ولم يمنع عمر أن يقول معتذرا: كل الناس أفقه منك يا عمر.
• قال:مرة في المسلمين وعليه ثوبان فأمر بالسمع والطاعة فنطق أحد المسلمين قائلاً: فلا سمع ولا طاعة يا عمر عليك ثوبان وعلينا ثوب واحد, فنادى عمر بأعلى صوته: يا عبد الله ابن عمر فأجابه ولده: لبيك أبتاه فقال له: أنشدك الله أليس أحد ثوبي هو ثوبك أعطيتنيه ؟ قال : بلى والله , فقال الرجل : الآن نسمع ونطيع , فانظر كيف لم يمنع الحياء الرجل أن يقول , ولا عمر أن يعترف .

( معنى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت )
روى شعبة عن منصور بن ربعي عن أبي منصور البدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: يا ابن آدم إذا لم تستحي فاصنع ما شئت "
وليس هذا القول إغراء بفعل المعاصي عن قلة الحياء كما توهمه بعض من جهل معاني الكلام ومواضعات الخطاب, وفي مثل هذا الخبر قول الشاعر:
إذا لم تخـشى عاقبـة الليالي
ولم تستحي فاصنع ما تشـاء
فلا والله ما في العيش خيـر
ولا الدنيا إذا ذهـب الحيـاء
يعيش المرء ما استحيا بخير
ويبقى العود ما بقي اللحـاء
واختلف أهل العلم في معنى هذا الخبر:
 فقال أبوبكر بن محمد الشاشي في أصول الفقه: - معنى هذا الحديث أن من لم يستحي دعاه ترك الحياء إلى أن يعمل ما يشاء لا يردعه عنه رادع, فليستحي المرء فإن الحياء يردعه.
 وقال أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة أن المعنى فيه إذا عُرضت عليك أفعالك التي هممت بفعلها فلم تستحي منها لحسنها وجمالها فاصنع ما شئت منها فجعل الحياء حكماً على أفعاله وكلا القولين حسن والأول أشبه لأن الكلام خرج عن النبي صلى الله عليه وسلم مخرج الذم لا مخرج المدح, ولكن قد جاء حديث بما يضاهي الثاني وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " ما أحببت أن تسمعه أذناك فائته وما كرهت أن تسمعه أذناك فاجتنبه "

( أنواع الحياء )
قال أبو الحسن الماوردي في كتابه " أدب الدنيا والدين ":-
والثاني:الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه: أحدها: حياؤه من الله تعالى. والثاني : حياؤه من الناس . والثالث: حياؤه من نفسه.
فأما حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره... روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " استحيوا من الله عز وجل حق الحياء, فقيل يا رسول الله فكيف نستحي من الله عز وجل حق الحياء ؟ قال: من حفظ الرأس وما وعى, والبطن وما حوى, وترك زينة الحياة الدنيا, وذكر الموت والبلى: فقد استحيا من الله عز وجل حق الحياء " وهذا الحديث من أبلغ الوصايا.
ويقول أبو الحسن الماوردي عن نفسه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ذات ليلة, فقلت يا رسول الله, أوصني, فقال: استحي من الله عز وجل حق الحياء... ثم قال: تغير الناس. قلت: وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال: كنت أنظر إلى الصبي, فأرى من وجهه البشر والحياء, وأنا أنظر إليه اليوم, فلا أرى ذلك في وجهه.
وأما حياؤه من الناس: فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح, وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من تقوى الله اتقاء الناس " وروى أن حذيفة بن اليمان أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا, فتنكب الطريق عن الناس, وقال: لا خير فيمن لا يستحي من الناس.
وأما حياؤه من نفسه, فيكون بالعفة وصيانة الخلوات..
وقال بعض الحكماء: ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك, وقال بعض الأدباء: من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية, فليس لنفسه عنده قدر.

الثلاثاء، 22 مارس 2011

اسد الله وسيد الشهداء

بسم الله الرحمن الرحيم
قال صلى الله عليه و آله وسلم : ( سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب )
* هو سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه و أرضاه ( أبو عمارة ) ، عم سيدنا النبي صلى الله عليه و آله وسلم وأخوه من الرضاعة فهما من جيل واحد نشأ معا ، ولعبا معا ، وتآخيا معا كان يتمتع بقوة الجسم ، وبرجاحة العقل ، وقوة الارادة ، فأخذ يفسح لنفسه بين زعماء مكة وسادات قريش ، وعندما بدأت الدعوة لدين الله كان يبهره ثبات ابن أخيه صلى الله عليه و آله و سلم ، وتفانيه في سبيل إيمانه ودعوته ، فطوى صدره على أمر ظهر في اليوم الموعود...يوم إسلامه.

* اسلام سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه :
- كان سيدنا حمزة رضي الله عنه عائدا من القنص متوشحا قوسه ، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج إليه وكان إذا عاد لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معه ، فلما مر بالمولاة قالت له يا أبا عمارة ، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد صلى الله عليه و آله و سلم آنفا من أبي الحكم بن هشام ، وجده ههنا جالسا فآذاه وسبه ، وبلغ منه مايكره ، ثم انصرف عنه ولم يكلمه سيدنا محمد صلى الله عليه و آله وسلم)..
- فاحتمل سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه الغضب لما أراد الله به من كرامته ، فخرج يسعى ولم يقف على أحد ، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به ، فلما وصل إلى الكعبة وجده جالسا بين القوم ، فأقبل نحوه وضربه بالقوس فشج رأسه ثم قال له: ( أتشتم محمدا وأنا على دينه أقول ما يقول ؟.. فرد ذلك علي إن استطعت )..
- وتم سيدنا حمزة رضي الله عنه على إسلامه وعلى ما تابع عليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ، فلما أسلم سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه عرفت قريش أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قد عز وامتنع ، وان سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه سيمنعه ، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه ، وذلك في السنة السادسة من النبوة.

* سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه و سيدنا جبريل عليه السلام :
- سأل سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه سيدنا النبي صلى الله عليه و آله وسلم أن يريه سيدنا جبريلَ عليه السلام في صورته ، فقال: ( إنك لا تستطيع أن تراه ) قال: ( بلى ) قال: ( فاقعد مكانك ) فنزل سيدنا جبريل عليه السلام على خشبة في الكعبة كان المشركون يضعون ثيابهم عليها إذا طافوا بالبيت ، فقال: ( أرْفعْ طَرْفَكَ فانظُرْ ) فنظر فإذا قدماه مثل الزبرجد الأخضر ، فخرّ مغشياً عليه رضي الله عنه و أرضاه.

* سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه و الاسلام:
- ومنذ أسلم سيدنا حمزة رضي الله عنه نذر كل عافيته وبأسه وحياته لله ولدينه حتى خلع سيدنا النبي صلى الله عليه و آله وسلم عليه هذا اللقب العظيم: ( أسد الله وأسد رسوله )..
- وآخى سيدنا الرسول صلى الله عليه و آله وسلم بين سيدنا حمزة وبين سيدنا زيد بن حارثة رضي الله عنهما و أرضاهما ، وأول سرية خرج فيها المسلمون للقاء العدو كان أميرها سيدنا حمزة رضي اللـه عنه..
- وأول راية عقدها سيدنا الرسـول صلى اللـه عليه و آله وسلم لأحد من المسلمين كانت لسيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه..
- ويوم بدر كان أسد اللـه رضي الله عنه و أرضاه هناك يصنع البطولات ، فقد كان يقاتل بسيفين ، حتى أصبح هدفا للمشركين في غزوة أحد يلي سيدنا الرسول صلى الله عليه و آله وسلم في الأهمية.

* استشهاد سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه :
- ( اخرج مع الناس ، وان أنت قتلت حمزة فأنت عتيق ) هكذا وعدت قريش عبدها الحبشي ( وحشي غلام جبير بن مطعم ) ، لتظفر برأس سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه مهما كان الثمن ، الحرية والمال والذهب الوفير ، فسال لعاب الوحشي ، وأصبحت المعركة كلها سيدنا حمزة رضي الله عنه..
- وجاءت غزوة أحد ، والتقى الجيشان ، وراح سيدنا حمزة رضي الله عنه لا يريد رأسا إلا قطعه بسيفه ، وأخذ يضرب اليمين والشمال و ( الوحشي ) يراقبه ، يقول الوحشي : ( ... وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه ، فوقعت في ثنته ( ما بين أسفل البطن إلى العانة ) حتى خرجت من بين رجليه ، فأقبل نحوي فغلب فوقع ، فأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ، ثم تنحيت إلى العسكر ، ولم تكن لي بشيء حاجة غيره ، وإنما قتلته لأعتق )..
- وقد أسلم ( الوحشي ) لاحقا فهو يقول: ( خرجت حتى قدمت على سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم المدينة ، فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أتشهد بشهـادة الحـق ، فلما رآني قال صلى الله عليه و آله و سلم : ( وحشي ) قلت: ( نعم يا رسـول اللـه صلى الله عليه و آله و سلم) قال صلى الله عليه و آله و سلم: ( اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة ؟ ) فلما فرغت من حديثي قال صلى الله عليه و آله و سلم : ( ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك ! ) فكنت أتنكب عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم حيث كان ، لئلا يراني حتى قبضه الله صلى الله عليه و آله وسلم).

- واستشهاد سيد الشهداء رضي الله عنه لم يرض الكافرين وإنما وقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها ، يمثلن بالقتلى من أصحاب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجد عن الآذان والأنف ، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنفهم خدما ( خلخال ) وقلائد ، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشيا .. وبقرت عن كبد سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه ، فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها ، فلفظتها.

* حزن سيدنا الرسول صلى الله عليه و آله و سلم على سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه :
- وخرج سيدنا الرسول صلى الله عليه و آله وسلم يلتمس سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه و أرضاه ، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به ، فجدع أنفه وأذناه ، فقال سيدنا الرسول صلى الله عليه و آله وسلم حين رأى ما رأى: ( لولا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير ، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم ! )..
- فلما رأى المسلمون حزن سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وغيظه على من فعل بعمه رضي الله عنه و أرضاه ما فعل قالوا: ( والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب )..
- فنزل قوله تعالى: ( وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ، واصبر وما صبرك إلا بالله ، ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون )..
- فعفا سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ونهى عن المثلة ، وأمر بسيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه فسجي ببردة ، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ، ثم أتى بالقتلى فيوضعون إلى سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه ، فصلى عليهم وعليه معهم ، حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة.. وكان ذلك يوم السبت ، للنصف من شوال ، سنة (3) للهجرة.

* البكاء على سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه :
- مرّ سيدنا الرسول صلى الله عليه و آله وسلم بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظَفَر ، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم ، فذرفت عينا سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم فبكى ، ثم قال: ( ولكن حمزة لا بواكي له )..
- فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بني عبد الأشهل ، أمرا نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ، ولمّا سمع سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم بكاءهن على سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه ، فقال صلى الله عليه و آله و سلم: ( ارجعن يرحمكن الله ، فقد آسيتنّ بأنفسكم ).

* فضل سيدنا حمزة رضي الله عنه و أرضاه :
- قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب )..
- كما قال ل سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه و رضي عنه و أرضاه: (... يا عليّ أمَا علمتَ أنّ حمزة أخي من الرضاعة ، وأنّ الله حرّم من الرضاع ما حرّم من النّسب ).

*عَيْن معاوية:
- لمّا أراد معاوية أن يُجري عَيْنَهُ التي بأحد كتبوا إليه: ( إنّا لا نستطيع أن نجريها إلا على قبور الشهداء )...فكتب إليهم: ( انْبُشُوهم ).. يقول جابر بن عبدالله: ( فرأيتهم يُحْمَلون على أعناق الرجال كأنّهم قوم نيام )...وأصابت المسحاةُ طرفَ رِجْلِ سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه و أرضاه فانبعث دَمَاً.

الثلاثاء، 15 مارس 2011

ثورة مصر والطريق الطويل

ثورة مصر عندما نزل الشباب الثائر في مصر إلى الشارع يوم الثلاثاء 25 يناير لم تكن توقعاتهم أو توقعات غيرهم تصل إلى النتيجة التي وصلوا إليها في هذه المدة التي لا تتجاوز 17 يوما, لقد انهار أحد أقوى الأنظمة في العالم العربي أمام صمود الشباب ودعم الشعب له وهي رسالة ذات محتوى كبير ينبغي الالتفات إليه في تعامل الأنظمة مع شعوبها وطريقة إدارة الشعوب لمطالبها المشروعة أمام حكامها, ورغم ضخامة النتيجة التي وصل إليها الثوار في مصر إلا أنها ليست كافية بل أمامهم مشوار كبير حتى يصلوا إلى مرادهم فما فسد خلال عشرات السنين لا يمكن إصلاحه في أيام أو شهور وعلى الشعب أن يعلم أنه ليست هناك عصا سحرية لإعادة الأمور إلى نصابها في كل المجالات بغير بذل المزيد من الجهد والصبر على دفع ضريبة الصمت لسنوات.


لقد كانت جماعة الإخوان صادقة مع نفسها ومع الآخرين عندما أعلنت أنها لن تسعى إلى الوصول للحكم في ظل الظروف الراهنة لأنها لا تريد أن تتحمل وحدها تبعة أخطاء الأنظمة السابقة؛ فالتركة ثقيلة وأكبر من أن يحملها فصيل سياسي واحد, كما قالت الجماعة. وليس من الغريب التأكيد على أن القادم أصعب وأنه يحتاج إلى بصيرة ثاقبة في ظل محاولة جهات عديدة بعضها محسوب على النظام السابق الالتحاق بالثورة وركوب موجة التغيير والحديث بلسان الثائرين, وهؤلاء كانوا في العهد الناصري يدينون بالاشتراكية وفي العهد الساداتي يؤمنون بالانفتاح وفي عهد مبارك مقتنعون بالتوريث, والآن يرون أن التغيير هو سنة الحياة. المشكلة في مصر ليست فقط في وضع آليات لنظام حر يكفل للشعب اختيار من يمثله ووضع ضوابط رقابية على الفساد ولكن المشكلة من أن هناك من يلعبون على كل الحبال وهم من محترفي السياسة والتزوير والفساد ويتلونون بكل لون ويخدعون البسطاء حتى يتمكنوا من السيطرة على مقاليد الأمور وهنا تحدث الطامة..


إن أمام الثورة جهد عظيم في توعية الشعب ولفظ اللصوص والحذر من ألاعيب الحواة الذين أكلوا على موائد الملك والاحتلال قبل ثورة الجيش عام 1952 وكانوا من علية القوم, ثم أصبحوا كذلك هم وأولادهم بعد الثورة وحتى الآن هناك عائلات ثرية وحاكمة بالوراثة وليس بالكفاءة والمجهود, هؤلاء لن يرضوا أبدا بالتخلي عن مواقعهم ولو حدث فلفترة صغيرة ثم يبحثون عن طريقة للرجوع.

ومن التحديات الكبرى أمام الثورة الحذر من التفرق؛ فينبغي التركيز على المطالب الكبيرة والأساسية وعدم الالتفات للفرعيات الآن التي يمكن أن تفرقهم وتسهل الطريق للمتربصين لكي يمنعوا عودتهم إلى ميدان التحرير بنفس القوة إذا حدث تلاعب في الوعود التي قطعت لهم, فشباب الثورة صغار في السن


وقد يرى البعض أنه قد يسهل خداعهم واللعب برؤوس بعضهم لشق صفهم وعندئذ يرجع الحرس القديم بثوبهم الجديد.

كذلك على شباب الثورة الانتباه لمسألة القيادة وليس معنى ذلك استيراد قيادة كبيرة ذات خبرة, كما يرى البعض, ولكن المقصود هو تشكيل مجلس قيادي من بينهم يتكلم باسمهم وبشكل رسمي, وفي الفترة الأخيرة سمعنا عن مجلس ائتلاف للثورة ولكن ما زال بعض المشاركين في الثورة يدلي بأحاديث فردية تبدو متضاربة وهذا يضعف الزخم الذي اكتسبته الثورة ويشتت من أهدافها.


إن وضوح الرؤية عند أصحاب الثورات وعدم تنازلهم عن مبادئهم ووحدة أهدافهم هو الذي يحفظ ثورتهم من العبث بها, ودعم الجماهير لمطالبهم العادلة هو الذي يجبر الأنظمة على الانصياع لها, فالطريق طويل أمام الوصول للركائز الأساسية لنظام حكم عادل فضلا عن ثورة أخرى تحتاجها البلاد لتطوير الاقتصاد, والتعليم والصحة

بعض المواقع المهمة

www.islamway.com
www.salafvoice.com
www.way2allah.com